عبد الوهاب الشعراني

88

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الوجود ولذلك عول غالب الناس على استشارة بعضهم بعضا لا سيما إشارة الفقراء ، ولكن يحتاج أيضا إلى تلطيف حجاب حتى يعرف طريق الخيرة لذلك العبد من طريق كشفه وإلا فإشارته معكوسة ، وربما أشار على أحد بأمر فكان فيه هلاكه فيكون على المشير الإثم في ذلك مثل من يفتي في دين اللّه بغير علم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي لأحد أن يشير على أحد بشيء إلا إن كان مطمح نظره اللوح المحفوظ الذي لا تبديل فيه فإن لم يكن مطمح نظره ما ذكر فليقل له استخر ربك . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : الاستشارة بمنزلة تنبيه النائم ، فترى الإنسان يكون جازما بفعل شيء فيشاور فيه بعض إخوانه فيقول له إن فعلت كذا حصل لك كذا ، فينحل عزمه عنه في الحال ، فلو قال له إنسان بعد ذلك افعل كذا لا يرجع إلى قوله . وسمعته أيضا يقول : لا تستشر محب الدنيا في شيء من أمور الآخرة فإن تدبيره ناقص لحجابه بالدنيا عن الآخرة ، ولا تستشر أيضا محب نعيم الآخرة من الزهاد والعباد في شيء من الأمور المتعلقة بالأدب مع الحق تعالى فإنه محجوب بذلك عن الحق وعن حضرته الخاصة واستشر كمل العارفين باللّه في أمور الدنيا والآخرة فإنهم قطعوا المرتبتين ووصلوا لحضرة الحق وعرفوا آدابها ودرجات أهلها في الأدب ، وفي المثل السائر : استعينوا على كل حرفة بصالح من أهلها فتأمل ذلك واعمل عليه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي لمن كان مشغوفا بحب الدنيا أن يفعل شيئا برأيه ولا باستخارته بل يسأل أهل الخير عن ذلك ويفعل ما يشيرون به عليه ، ولو كان من أكابر ملوك الدنيا ، فإن صحة الرأي إنما تكون لمن زهد في الدنيا وشهواتها والولاة غارقون في محبة الدنيا مع زيادة السكر الحاصل لهم من لذة الأمر والنهي والحكم ، ولذلك طلب الملوك العادلون أن يكون لهم وزراء ، لأن رأي الوزير ربما كان أكمل وأتم من الملوك لكون الوزير أنقص حكما وتصريفا منهم ، فلذلك قل سكره ، وقال العارفون لا يعرف الشيء إلا من زهد فيه ، وفي الحديث : « حبّك للشّيء يعمي ويصمّ » . ولولا ظهور عيب الدنيا للزاهد ما زهد فيها . فاعمل يا أخي على جلاء مرآتك بإشارة شيخ مرشد إن أردت أن تعرف مراد الحق وطريق الخيرة فيما تفعله في المستقبل ، وإنما شاور صلى اللّه عليه وسلم أصحابه امتثالا لأمر اللّه تعالى بقوله : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] . وإلّا فهو صلى اللّه عليه وسلم أتم خلق اللّه تعالى رأيا وأوسعهم علما وعقلا ، فكانت مشاورته لهم تمييلا لخاطرهم لا عملا بإشارتهم ، من غير أن يظهر له صلى اللّه عليه وسلم وجه الحق في ذلك ولذلك قال تعالى له : فَإِذا عَزَمْتَ [ آل عمران : 159 ]